محمود خليل يكتب: قالت الأجهزة الرقابية "لبيك يا سيسي" فطارت الحكومة

محمود خليل
محمود خليل

منذ اللحظة الأولى لتوليه منصبه ولا تخلو أحاديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الإشارة للحرب على الفساد.. دائما وأبدا يدخل مصطلح الفساد في مفردات خطاباته سواء المكتوبة أو المرتجلة..

ولأننا في مصر دائما ما نتعامل مع إشارات الرئيس على أنها عهد مكتوب وتعليمات.. بل يبالغ البعض ويصبغها صبغة الأمر المباشر.. نشطت الأجهزة الرقابية فجأة طوال العامين الماضيين في الإعلان عن أرقام واحصائيات وقضايا وحكايات عن الفساد الذي جرى.. وتبارت الأجهزة فيما بينها على بث أكبر قدر من الأخبار المقروءة والمسموعة والمرئية عن نجاحها في ضرب معاقل الفساد.. وكأن رجالات هذه الأجهزة استيقظوا فجأة على إشارات في خطابات الرئيس.. فلبوا النداء وتساقطت أقنعة الفساد واحد تلو الآخر لدرجة وصلت إلى إسقاط وزراء والقبض عليهم في واقعة قلما تتكرر في تاريخ مصر المحروسة.

بداية الحكاية

الرئيس عبد الفتاح السيسي تولى الحكم في يونيو 2014 وفور توليه الحكم أصدر تشريعات لمحاربة الفساد.. في مقدمتها القانون رقم 89 لسنة 2015، بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم.. واستحدث منصبا تمثل في مستشار رئيس الجمهورية لمكافحة الفساد الذي اختار له محمد عمر هيبة رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق.

المتابع الجيد لخطابات السيسي يرى أنه يركز في محاربة الفساد على محورين.. الأول يتمثل في المواجهة الأمنية والملاحقة القضائية.. أما الثاني فيمر عبر إطلاق حزمة من التشريعات والقوانين.. وفي ظهوره الأخير أمام أسبوع شباب الجامعات المصرية العاشر بجامعة قناة السويس وبعد ساعات قليلة من إقالة أو استقالة حكومة المهندس إبراهيم محلب قال السيسي: “القانون والقضاء هما الفيصل في قضايا الفساد..

إذا تحدثنا في قضايا فساد يجب ألا نسىء لأحد، والفساد مفيش مجال ليه ومحدش هيسكت عليه، معندناش حاجة في مصر نديها لحد، والله لن نسمح بجنيه ورق واحد يتاخد مننا”

هكذا إذن تتضح الاشارات الواسعة في خطابات الرئيس وعليه فإن الأجهزة الرقابية استلمت الاشارة وبدأت العمل.. لدرجة دفعت الدكتور عبد الله المغازي معاون رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المستقيلة أن يصرح في جريدة الوفد “أن الفساد كان العاصفة التي أطاحت بالحكومة وأن عمل الحكومة وإنجازاتها لم تكن بالشكل المأمول أو المرضي للرئيس”..

حكومة محلب هل هي “كبش الفدا”؟

والسؤال هنا هل فشلت حكومة محلب في ترجمة لغة واشارات الرئيس فيما يتعلق بالفساد.. وهل نجحت الأجهزة الرقابية وحدها في ترجمة هذه اللغة إلى قضايا وأرقام وتحريات بالصوت والصورة أسقطت الحكومة نفسها.. الإجابة المنطقية هي : نعم.

حكومة محلب تعاملت مع إشارات الرئيس بالطريقة المعتادة الروتينية المستوردة من غياهب العهود البائدة.. ومنها مثلا أنها أقرت في أواخر نوفمبر الماضي الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تمثلت أهدافها في:

1- الارتقاء بمستوى أداء الجهاز الحكومي والإداري للدولة

2- تحسين الخدمات الجماهيرية

3- إرساء مبادئ الشفافية والنزاهة لدى العاملين بالجهاز الإداري للدولة

4- سن وتحديث التشريعات الداعمة لمكافحة الفساد

5- تطوير الإجراءات القضائية لتحقيق العدالة الناجزة

6- دعم الجهات المعنية بمكافحة الفساد”

ستة من البنود المطاطة المحفوظة التي أخرجها جهابذة التخطيط للمؤتمرات من أدراج الروتين الوظيفي العتيق ونشرتها الصحف والمواقع دون أن تلقي بالا أنها تنشر هذه البنود مرة واحدة على الأقل سنويا طوال العقود الماضية.. وحتى رئيس الوزراء نفسه حين تحدث عن الفساد قال نصا: ” أناشد الموظفين وقادة الإعلام والمواطنين عدم التهاون مع الفاسد”.. وبالفعل حدث ما طالب به محلب لكنه كان أول من اكتوى بنار تصريحاته حين أجبر على الاستقالة بعد أن خرج الفساد من عقر دار حكومته نفسها.. وبإمضاء الأجهزة الرقابية التي تبارت فيما بينها طوال العامين الماضيين في قذف قنابل الفساد في وجه حكومته وبالأرقام والاحصائيات.. لكنه تعامل معها على أنها ضجيج بلا طحن كما تعودت دواوين الحكومة الروتينية في التعامل مع تقارير الأجهزة الرقابية.. فما كان منها إلا أن قطعت أوصال حكومته على ناصية شارع قصر العيني حين ألقى رجال الرقابة الادارية القبض على صلاح هلال وزير الزراعة المستقيل بناء على توجيهات الرئيس لاتهامه في قضية الفساد الكبرى في وزارة الزراعة.

الرقابة الإدارية.. عريس فضح الفساد

وبالطبع يعيش رجالات هيئة الرقابة الادارية التي سطع نجمها في الأيام الماضية حالة من الانتشاء الشديد بعد أن تسببت مجهوداتهم في إقالة حكومة.. وفي الحقيقة أن الرقابة الادارية حسب تقارير صحفية مختلفة تحظى باهتمام خاص من الرئيس.. قد يرجعه البعض لأن نجله من ضمن كتيبة المحاربين داخل الهيئة..

الهيئة تأسست كهيئة مستقلة سنة 1964 بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر.. ويشرح عمرو عادلي- الباحث في معهد كارنيجي- أن تأسيس الهيئة جاء وقت اعتماد الخطة الخمسية اﻷولى في أوائل الستينيات، وهي خطة تسببت في صدام مكتوم بين عبد الناصر وبين الجهاز الحكومي وقتها، بعد أن اتهم ناصر جهازه الحكومي بوجود “عناصر رجعية” داخله.. وهو الأمر الذي اعتبره “عادلي” أن إنشاء الجهاز كان بهدف السيطرة على الجهاز اﻹداري للدولة وضبط المناوئين، باﻹضافة إلى ضبط الفساد داخل جهاز الدولة كي يتمكن من التماشي مع الخطط الاجتماعية والاقتصادية لنظام الحكم.

وبحسب قانون إنشاءها، فإن الهيئة تتبع رئيس مجلس الوزراء ويتم تعيين رئيسها من قبل رئيس الجمهورية، وهو ما يجعلها هيئة رقابية تابعة للسلطة التنفيذية.. لكن ولائها كما هو واضح للرئيس مباشرة.. والمتابع الجيد لموقع هيئة الرقابة الادارية على الانترنت يرى بوضوح أن الهيئة نشطت كثيرا منذ تولي الرئيس.. ونشطت أكثر مع تولي محمد عرفان جمال الدين منصب رئيس الهيئة في إبريل الماضي.. ونشر موقع اليوم السابع تقريرا بعنوان “أشهر 10 قضايا رشوة في شهر واحد”.. فيما نشرت جريدة الوطن خطة الرقابة الادارية لمكافحة الفساد في 4 سنوات.. وأفردت مواقع “البوابة” و”فيتو” مساحات واسعة وتحليل شامل لتصريحات رئيس الهيئة التي قال فيها: مهمتي منع الفساد قبل وقوعه.. ونشرت مجلة “المصور” تقريرا بعنوان نجاح سياسة الهيئة في دعم الاستثمار.. ونشرت جريدة ” الأخبار” تحقيقا بعنوان دور هيئة الرقابة الادارية في محاربة البيروقراطية ودعم المستثمرين.. وصولا إلى لقاء السيسي برئيس الهيئة في 15 أغسطس الماضي.. والاحتفاء به في كافة المواقع والصحف.. وهي إشارات لم تلتقطها أجهزة استشعار حكومة محلب حتى سقطت في النهاية..

الجهاز المركزي للمحاسبات.. بطولة المستشار جنينه

هو الجهاز الأبرز في مصر وحسب قانون تأسيسه لديه 3 أعمال رئيسية هي الرقابة المالية، وتقويم الأداء، والرقابة القانونية على الإدارة المحلية والحكومة المركزية والهيئات العامة والاقتصادية والخدمية.. الجهاز الذي يرأسه المستشار هشام جنينه الذي ظهر مع الإعلامية منى الشاذلي بأسرته في إجراء وصفه البعض بأنه جاء لنفي وجود أي ميول إخوانية له بعد الضجة التي أثارها مشروع قانون يسمح للرئيس بعزل وتعيين رؤساء الهيئات الرقابية واعتبره البعض بأنه موجه خصيصا للمستشار جنينه.. وقد يكون هذه المقدمات من أسباب عدم اكتراث حكومة محلب بتقارير وتصريحات الجهاز المركزي للمحاسبات.. لكن الحقيقة أن الصحف ضجت بالعديد من تقارير الفساد الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات طوال السنوات الماضية وتعاملت معها الحكومات المتعاقبة بأنها تقارير وفقط لا تستحق عناء الرد عليها.. والكثير من تقارير كشف المخالفات المالية الصادرة عن الجهاز المركزى للمحاسبات الذى يُفترض أن يكون أحد أضلع مكافحة الفساد لا تُفعل ولا يتم الأخذ بتوصياتها ونتائجها.

لكن المستشار جنينه كان له رأي آخر.. فالرجل فتح قنوات تواصل مع الرئاسة مباشرة وقدم للرئيس 60 تقريراً يتضمن تقويم أداء مؤسسات الدولة، والمخالفات المالية والإدارية التى تم رصدها فى وزارات الصحة، والتعليم، والتعليم العالى، والبحث العلمى، والنقل الجوى، والكهرباء، والزراعة، والإسكان والمجتمعات العمرانية، والسياحة، والتليفزيون.. ومنها وأخطرها – في تقديري- تقرير يوضح إجمالى مستحقات الدولة والتى لم تحصّل بسبب الفساد والتى بلغت ما يزيد على 600 مليار جنيه لا تستفيد منها الدولة.. وخرج بعدها في جريدة “الوطن” بحوار مطول قال فيه: ” الفساد أخطر من الارهاب ولا توجد مؤسسة في الدولة لم يطلها الفساد خلال السنوات العشر الماضية.. ومشكلتنا أننا دائماً نبدأ بمواجهة فساد الصغار تاركين الحيتان ترتع فى مفاصل الدولة”..

انتهت تصريحات المستشار هشام جنينه وبقي الرجل في منصبه ورحل المهندس ابراهيم محلب.

النيابة الادارية.. نجم الأرقام المفزعة

لا أحد ينكر أن هيئة النيابة الادارية هي بطلة الأرقام المفزعة دائما في تقارير الصحف المتحدثة عن الفساد.. 150 ألف قضية فساد في عام واحد.. رجالها ينشطون في أواصل الدواوين الحكومية ويفتحون جراح الموظفين واحد تلو الآخر.. ويرتبط تاريخ النيابة الإدارية بتاريخ مكافحة الشعب المصري لصور الفساد.. فبعد ثورة يوليو 1952 رأى المشرع المصري فصل الإدارات القانونية بالجهاز الإدارى للدولة و توحيدها في كيان واحد لتحقيق استقلالها عن تلك الجهات – منعاً من تدخل الرؤساء الإداريين في مجريات التحقيقات – فأصدر القانون 480 لسنة 1954 الذى أنشأ النيابة الإدارية.. وعندما حققت النيابة الإدارية الهدف المنشود منها رأى المشرع إعادة تنظيمها و منحها الصلاحيات اللازمة لإصلاح أداة الحكم وهو الجهاز الإدارى للدولة.. بل ووصفها بأنها صنو النيابة العامة بالنسبة للعاملين بالجهاز الإدارى للدولة..

النيابة الادارية هي الأخرى تسلمت اشارات الرئيس جيدا وسلمته في أغسطس الماضي حسب تقرير منشور في “اليوم السابع” وعلى لسان متحدثها المستشار محمد سمير كل الملفات والتقارير الصادرة عن إدارة مكافحة الفساد بالهيئة.. وأرسلت نسخا إلى مجلس الوزراء لدراستها واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقاً للمقترحات التى قدمتها.. والقارئ الجيد للملف الذي أعدته اليوم السابع عن النيابة الادارية يتأكد لديه أن الهيئة أبت ألا تخرج من مولد كشف الفساد بدون 150 ألف قضية فساد زينت به رأس الحكومة لدى الرئيس.. وتضمنت التقارير معلومات كاملة عن كل قطاع حكومى على حدة..

والسؤال المعتاد: ماذا فعلت حكومة المهندس ابراهيم محلب بالنسخ المرسلة إليها من هيئة النيابة الادارية عن وجود 150 ألف قضية فساد في دواوينها.. الاجابة: الرئيس عبد الفتاح السيسي يقبل استقالة الحكومة!!!!

 

اقـرأ أيضـاً:

محمود خليل يكتب: هل أتاك حديث الطشت؟

 محمود خليل يكتب عن النسخة العربية لموقع هافنجتون بوست: “سنكون الساحة لأفكاركم.. الإخوانية بالطبع”  

 

تابعونا علي تويتر من هنا

تابعونا علي الفيس بوك من هنا