عمرو منير دهب يكتب: ديموقراطية يوتيوب الزائفة

في السبعينيات الماضية كانت سطوة "العلم والإيمان" على الجماهير المصرية والعربية لا تضاهى؛ كان البرنامج بموازاة أبعاده الروحانية الظاهرة رائداً في فكرة تبسيط العلوم التي لم تكن قد راجت بعدُ عربياً بذلك المسمّى وعلى النحو المباشر الذي بات معروفاً هذه الأيام.

من ثمّ، كانت شعبية مقدّم البرنامج الدكتور مصطفى محمود منقطعة النظير، وقد برز مصطفى محمود حينها نجماً ساطعاً من عدة وجوه: الخلفية الروحانية مضاعفة الدسم – وأرجو أن يجوز التعبير – بالنظر إلى تجربة "الشك واليقين" التي أذاعها على رؤوس الأشهاد؛ فكرة البرنامج الجديدة تماماً على النطاق العربي حينذاك والتي مكّنت الجماهير المتعطّشة من استيعاب الخطوط العريضة لطلاسم الدقائق العلمية المستعصية حتى على بعض العلماء المتخصصين من قبيل نسبيّتَي آينشتاين الخاصة والعامة؛ وأخيراً شخصية مصطفى محمود التي تمنح المتلقّي انطباعاً معمّقاً بالأبعاد الفكرية والروحانية الفريدة وهو يدخل مباشرة في صلب الموضوع بصوت خفيض حازم مكتفياً في تحيّتَي البداية والنهاية بكلمتين أو بضع كلمات مقتضبة خالية من الهشّ والبشّ.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: عبد المنعم مدبولي.. الجدّ والحفيد

ليس مصطفى محمود وحده بل كل مثقّفي ونجوم ذلك الزمان كانوا نخبويّين إلى حد بعيد، إنْ لم يكونوا نخبويّين تماماً. المقصود بالنخبوية هنا أن المنضوين تحت ظلال تلك الفئة - من نجوم المجتمع على اختلاف مجالاتهم – كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم محظيّين عن استحقاق بتميّزهم وما يستتبعه من نجومية، وأنّ على جميع المتلقّين الإقرار بذلك الاصطفاء مكتفين بالانتفاع والتمتّع بهبات النُّخَب على اختلاف الأصعدة. والحق أن المتلقّين إجمالاً كانوا يتقبّلون ذلك حبّاً وكرامة كما لو كان مسلّمة وجودية لا تستدعي الجدال أو حتى الاختلاف بشأنها، على أساس أن ذلك قدَرُهم وقدَر النُّخَب من المقام والحظوة، فلم يكن ثمة – والحال كتلك – ما يستدعي أصلاً القلق أو الانتباه في تلك القسمة "الربّانية".

انقلب الحال اليوم تماماً كما نعلم، والأدق أن الانقلاب قد وقع بالأمس بُعيد ابتداع المنصات الإعلامية الإلكترونية - التي تُوصف بالاجتماعية - واجتياحها حياة الناس كما لم يكن متخيّلاً قبلها من أي سبيل. لم تكن فكرة تبسيط العلوم وحدها هي ما تمدّد عبر وسائل التواصل والمنصات الإلكترونية (الاجتماعية) بل كلّ ما كان يُقدّم على وسائل الإعلام التقليدية من مواد، بالإضافة إلى الكثير مما لم يكن يجرؤ أحد على تقديمه أساساً.

وُصِف ذلك بأنه ثورة إعلامية عارمة، إلى جانب كونه بزوغاً موازياً لديموقراطية منقطعة النظير على الصعيد الإعلامي من ناحيتين: الشفافية المدهشة في اختراق معظم التابوات الإعلامية العتيقة/العتيدة/العنيدة، والإمكانية شبه المطلقة لأي فرد فيما يتعلّق بصناعة الحدث الإعلامي وصولاً إلى النجومية بحسب موهبته وحظه.

في نطاق تبسيط العلوم تحديداً، برزت العديد من البرامج/الإطلالات التي راقت الناس بمستويات متفاوتة. بدأ معظمها متواضعاً من حيث المحتوى والإمكانيات بالنظر إلى كونه ينطلق بجهود فردية تقتصر على الموهبة في عرض المحتوى وجهاز تسجيل/تصوير بسيط (الهاتف المحمول في الغالب) واتصال بشبكة الإنترنت يخوّل انطلاق البث من الحساب الخاص بمبدع المحتوى من أيٍّ من المنصات الإلكترونية التي يفضّلها.

بُعَيد البدايات، صعد سريعاً بعضُ تلك البرامج إلى عنان النجومية؛ سنأخذ من مصر "الدحيح" لأحمد الغندور ومن العراق "حيدورانت" لحيدر الوائلي، وذلك على سبيل المثال بالغ الإيجاز كما هو واضح.

كلا البرنامجين يقدّم محتوى قيّماً بأسلوب بالغ الجاذبية؛ الوائلي يعتمد على إمكانيات فردية إلى حدّ بعيد بحيث لا يبدو أن ثمة من يشاركه سوى رُسل سمير في التصوير والإنتاج كما هو مكتوب في نهاية كل حلقة، ما يؤكّد إمكانية تقديم محتوى بالغ الجاذبية رفيع القيمة بموارد محدودة نسبيّاً. أمّا الغندور، الذي بدأ متميزاً بإمكانيات فردية متواضعة بوضوح، فقد انتهى إلى "الدحيح" في حلّة شديدة التميّز مع منصّات تمتلك إمكانيات إعلامية ضخمة، ولكن لا تزال خصوصية مقدّم البرنامج الشخصية – بالنظر إلى مواهبه الاستثنائية في الأداء الكوميدي بالغ التشويق – تمنح "الدحيح" طابع برامج مؤثّري يوتيوب الذين ينتزعون جماهيريّتهم ببركات ديموقراطية الفضاء الإلكتروني (الاجتماعي) أكثر من كون تلك الجماهيرية تتفضّل بها على المؤثِّر مؤسسات إعلامية رسمية أو شبه رسمية، وذلك على الرغم من وجود فريق عمل ضخم كما يتّضح من القائمة الطويلة من الأسماء التي تظهر في نهاية كل حلقة لـ"الدحيح" وفيها – على سبيل المثال – متخصص مستقل لابتداع المحتوى الكوميدي للمادة العلمية المبسّطة.

بركات المنصات الاجتماعية للفضاء الإعلامي الإلكتروني إذن عظيمة على الجماهير كونها أتاحت الشهرة بحيث أصبحت في متناول الجميع، أو – للدقة – بحيث باتت إمكانية خوض تجربة صناعة الشهرة متاحة للجميع كلّ بحسب رغبته وجرأته ومواهبه وحظوظه بما يجعل مسألة إلقاء تبعة عدم الظهور على الآخرين مهمة صعبة للغاية. ولكن هل يكفي ذلك للقول بأن تلك المنصّات قد أفرزت ديموقراطية حقيقية/عميقة في كل أبعادها؟

الأرجح أن ذلك لم يحدث بعدُ؛ فإذا تجاوزنا عن التأثير الكبير للعديد من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية على حسابات التواصل الأكثر جماهيرية على اختلاف توجّهاتها، يبدو جديراً بالملاحظة أن أغلب المؤثرين المفرَّخين بفضل "ديموقراطية" تطبيقات التواصل الاجتماعي تستبدّ بهم نشوة الجماهيرية الطاغية بحيث يبدون مضطرّين للتعامل بتواضع ظاهريّ مع الجماهير بدافع المصلحة، في حين يضمرون في الغالب تعالياً يرونه مستحقّاً، لا على الجماهير بصفة عامة فحسب، بل على الأخصّ تجاه نظرائهم الأدنى شعبية من المؤثرين بالنظر إلى أعداد المتابِعين.

ألا يبدو ذلك كما لو كان إعادة تعريف لطبيعة السلطة الإعلامية المؤثرة أكثر من كونه تجلّياً لأشكال جديدة لديموقراطية الإعلام؟