عمرو منير دهب يكتب: ماذا لو لم أنشأ على ديوان المتنبي؟

هل من المنطقي أن أزعم أنني اكتشفت استثنائية المتنبي اكتشافاً ذاتياً خالصاً دون إملاء ظاهر أو مستتر وبمنأى عن أية مؤثرات مباشرة من أي قبيل؟ في الواقع أنوي فيما يلي أن أحوم حول هذا المعنى، ولكن بطبيعة الحال لا يمكنني الزعم بأن العوامل الخارجية - في تأكيد مكانة المتنبي الاستثنائية وتأثيرها عليّ من ثمّ - كانت غائبة تماماً أو حتى بعيدة؛ فذلك زعم لا يستقيم لأيٍّ من الناس مع تجربة مشابهة على أيّ صعيد؛ دع عنك ما يمكن أن يكون عليه الحال مع يافع أدبي في حضرة من ملأ الدنيا وشغل الناس.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: ديموقراطية يوتيوب الزائفة

كان من حظي الذي أسعدني أنّ ما عكفتُ عليه من الدواوين بالقراءة والاستلهام مع بزوغ شغفي بالشعر والأدب كان ديوانَي المتنبي وشوقي؛ ولا أعلم أيهما كان الأسبق وإنْ كنت أرجح المتنبي بفارق جدّ يسير، حتى إنه ليصحّ أن أقول بأن الشاعرين العظيمين تزامنا في صحبتي، والأدق بطبيعة الحال أن رحلتيّ إلى أعماقهما قد تزامنتا بحيث شكّلني الاثنان أدبيّاً بما يصعب معه فصلُ التأثيرين أحدهما عن الآخر إلّا – بتجاوز التقنيات الحديثة واستدعاء أجواء القرن الرابع الهجري مع المتنبي نفسه – من خلال الاستعانة برأي كرأي القاضي الخصيبيّ:

قاضٍ إِذا اِلتَبَسَ الأَمرانِ عَنَّ لَهُ ** رَأيٌ يُخَلِّصُ بَينَ الماءِ وَاللَبَنِ

لو لم أنشأ على ديوانَي المتنبي وشوقي لكان من الوارد أن يُنسب فضلُ تشكيلي الأدبي إلى شاعر فحل آخر، أو ربما تفرّق ذلك الفضل بين مجموعة من الشعراء المجيدين. ورغم أنني أستغرب كيف يمكن أن ينشأ شاعر دون أن يقرأ المتنبي وشوقي عميقاً، بل المتنبي تحديداً – بعيداً عن تقديمي الشخصي فنيّاً لشوقي - لتأثيره الطاغي على مرّ القرون، فقد اقتربتُ أدبياً وشخصياً من كثيرين مرّوا على المتنبي مرور الكرام ولم يحلُ ذلك بينهم وبين بلوغ منزلة رفيعة في الشعر والأدب معرفةً وعشقاً، وهو أمر منطقي بالنظر إلى أن تاريخ الشعر العربي لا يمكن أن يستبدّ به شاعرٌ مهما تبلغ منزلته لدى أيّ منّا أو لدى الناس قاطبةً.

على أن أبلغ ما في نشأتي على ديوان المتنبي – وأتجاوز عن شوقي الآن فقط بداعي السياق المتعلّق بالمتنبي وحده – هو أن تلك النشأة على نحو ما أشرت كانت ذاتيّة إلى حدّ بعيد؛ فقد تناولتُ الديوانَ – بشرح ناصيف اليازجي – وجعلت أتقلّب بين صفحاته كطفل يلهو منتشياً في حديقة لا كتلميذ مجتهد في مدرسة؛ فكنت – على سبيل المثال – أعمد إلى الديوان في الأوقات المستقطعة للاستراحة من استذكار الدروس فيمنحني طاقة لمتابعة الاستذكار وللابتهاج بالحياة، وهي العادة التي لازمتني حتى التخرّج في الجامعة.

لم ألتزم في قراءة القصائد بالترتيب الهجائي الذي اعتمده الديوان، بل كنت أتجول فيه لأنتقي ما يروق مزاجي - من المواضيع والبحور – فأقف عنده ليوم أو يومين أو أكثر؛ وقد أتناول أكثر من قصيدة في الجلسة/الاستراحة الواحدة؛ وللدقة فإن تلك لم تكن قراءات للقصائد بقدر ما كانت تعرّفاً عميقاً على ما تدور حوله كل قصيدة، وبطبيعة الحال تعرّفاً لصيقاً على المتنبي نفسه باعتباره مدار قصائده كلها بدرجة أو أخرى.

ليس غريباً إذن ألّا أنظر إلى "واحرّ قلباه" على أنّها أشهر قصائد المتنبي كما يعدّها كثيرون، فقد سبقتها إلى خاطري – قراءةً وانجذاباً – قصائد كثيرة: "لك يا منازل في القلوب منازل"، "بأبي الشموس الجانحات غواربا"، "مغاني الشعب طيباً في المغاني"، "أفاضل الناس أغراض لذا الزمن"، "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، "عيد بأية حال عدت يا عيد"، "أرق على أرق ومثلي يأرق"، "إذا غامرت في شرف مروم"، "كم قتيل كما قتلت شهيد"، "الرأي قبل شجاعة الشجعان"، "بم التعلل لا أهل ولا وطن"، "أتراها لكثرة العشاق"، "ما لنا كلنا جوٍ يا رسول"، "في الخدّ أن عزم الخليط رحيلا"، "سرب محاسنه حُرمت ذواتها"؛ ذلك على سبيل المثال.

إضافة إلى إقصائي "واحرّ قلباه" من القائمة القصيرة لأشهر قصائد المتنبي، لم أرَ "السيفيّات" – قصائده في سيف الدولة – بوصفها أعظم شعره بالضرورة، فقد تفرّقتْ قصائده العظيمة والفريدة بين كل مَن مدحهم وعلى كل ما طرقه من المواضيع، وإن يكن اختصّ الأمير الحمداني بأكثر ما اختصّ به ممدوحاً واحداً من القصائد الرفيعة، ومن الحب الخالص من قبل.

هكذا إذن، سعدتُ بما أرجو أن يجوز وصفه بالتجربة العصامية في استكشاف المتنبي والاستمتاع بشعره والوقوف على عظمة مكانته الأدبية وتأثيره على الناس؛ وقد تأكّدتْ لي عصاميّة التجربة لاحقاً عندما رأيت أن كثيراً ممّا استولى على ذائقتي من أشعار الرجل واستوقفني من سيرته كان غير ما خلب ألباب الآخرين واسترعى انتباههم، ذلك رغم إفادتي العظيمة من كل ما وقعتُ عليه مما قاله أو كتبه الآخرون عن المتنبي على اختلاف مقامات من قالوا ومن كتبوا من عامة الناس ومن خاصة الأدباء والنقّاد.

لا تعني، إذن، عصاميةُ استكشاف المتنبي التي أزعمها أنني كنت وحدي المختلف في النظر إلى شاعرنا العظيم وسيرته بقدر ما هي إشارة إلى تجربة أمتعتني وأفادتني على نحو خاص؛ تجربة لم أتعمّد خوضها وإنما دهمتني عفواً في بواكير نشأتي الأدبية وأدركتُ قيمتها لاحقاً بعد عقود. وبذلك بدت لي نشأتي الأدبية مع المتنبي فريدة مثلما بدا لي المتنبي نفسه على مدى صحبتي له فريداً في سيرته وفي شعره الموغلَين في الذاتية؛ ولعلّ مفارقة شاعرنا العظمى أنه أوغل في ذاتيّته الجامحة كما لم يفعل شاعرٌ غيره فبلغ من المجد ما لم يبلغه المتعقّلون الذين أصاخوا إلى كل صوت وأمعنوا النظر في كل شكل ولون.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])