بحسب "معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين" هو "أحمد محفوظ حسن أحمد فهمي، ولد بمدينة كفر الشيخ شمالي دلتا مصروتوفي بالقاهرة، عمل بعدة مدن مصرية: أسيوط، وطنطا، والعريش، والقاهرة. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بكفر الشيخ ثم انتقل إلى دار المعلمين العليا بالقاهرة فتخرج فيها عام 1930. عُيِّن مدرساً بالقاهرة، ومارس التدريس بالمدن المذكورة على التتابع ليعود إلى القاهرة مستشاراً للغة الإنجليزية بوزارة التربية والتعليم حتى إحالته إلى المعاش. كان من تلاميذ عباس محمود العقاد الذين يترسمون خطاه، وهذا واضح في تسمية ديوانه الأول، ومع هذا فإن محمد حسين هيكل هو الذي كتب مقدمة ديوانه الثاني... له ديوانان "وحي العشرين"، مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر- القاهرة 1933، طبع على نفقة الشاعر الخاصة؛ و"بُردة محفوظ"، نظم وشرح السيرة النبوية، طبع على نفقة الكاتبة فايقة رفيق للفقراء والمرضى، مطبعة أمين عبدالرحمن، شارع محمد علي، القاهرة 1940... من أعماله (في غير الشعر): "خفايا العاصمة"، و"حياة شوقي"، و"حياة حافظ"... مصادر الدراسة (عن الشاعر):1- مقدمات ديواني الشاعر، 2- لقاء الباحث محمد ثابت مع ابنة المترجم له - القاهرة 2003".
تلك على الأرجح أوثق وأوفى نبذة متاحة على الإنترنت عن الشاعر أحمد محفوظ، ولم يكن مدخلي إلى التعرّف على محفوظ أيٌّ من ديوانَيه المذكورين وإنما كتابه "حياة شوقي" الذي هو سيرة غيريّة منقطعة النظير عن أمير شعرائنا منقطع النظير.
نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: مسؤولية المرأة عن صورتها في دراما رمضان
كما يتجلّى من "حياة شوقي"، و"حياة حافظ إبراهيم" الذي لم أكمل قراءته بعد، لم يدّخر أحمد محفوظ وسعاً للتقرّب من ذوي السلطة الأدبية على اختلاف نطاق نفوذهم، والرجل نفسه لا ينكر ذلك أو يكتمه؛ ولكن رغم محاولاته الناجحة جداً في النفاذ إلى ذوي النفوذ الأدبي، والتي لم تقف عند حدود شوقي وحافظ بأية حال، لم ينجح الرجل في أن يقبس حظاً يُذكر من الشهرة، بل ظلّ غافل الذكر بما لا يتناسب وقربَه اللصيق من أصحاب السلطة الأدبية والإعلامية وحظه القيّم من الأدب؛ وإذا لم أكن قد اطّلعت على شعره بما يكفي فإن كتابه عن حياة شوقي تحفة أدبية لا ريب في باب السيرة الغيرية تستحق وقفة شديدة الخصوصية إزاءها.
النظرات الأدبية والرؤى النقدية في "حياة شوقي" ممتعة بما لا يخلو من القيمة الفنيّة التي لم تكن الغرض الأساس من وراء الكتاب على كل حال؛ ولكن الأهم في باب السِّيَر (ذاتية وغيرية) هو الانفتاح على أقصى حدود الصراحة والشفافية والجرأة الممكنة، وهو الامتحان الذي يشكّل تحدّياً عظيماً في مجتمعاتنا المحافظة، وهو ذات الامتحان الذي برع في تخطّيه أحمد محفوظ بجرأة يُحسَد ولا يُحسَد عليها. يُحسَد عليها لأنها تكاد تكون سابقة في هذا الباب، خاصة بالنظر إلى مكانة صاحب السيرة المرموقة جداً: أمير الشعراء شخصياً. ولا يُحسَد عليها لأنها ربما كانت من أهم الأسباب التي حجبت ذكره ودفعت بالنافذين إلى إهماله تحاشياً للتنويه برجل يطفئ هالات القداسة التي تطوّف حول رؤوس المشاهير من أرفع رموز الحياة الأدبية – وأحياناً السياسية – في زمانه، بل لعله في كثير من المواقف يكاد يبدل قرون الشياطين بهالات القداسة على رؤوس تلك النجوم المقدسة في وجدان الجماهير.
وإذا كانت السيرة الذاتية تحتاج إلى قدر عظيم من الجرأة إذا همّ صاحبها بأن يكون صريحاً وشفّافاً إلى أقصى الحدود، على نحو ما فعل محمد شكري في "الخبز الحافي" بوصفه مثالاً عربياً نادراً في هذ الباب؛ فإن ما تحتاجه السيرة الغيرية من الجرأة لا يقلّ قدراً بالنظر إلى الاتهامات التي يمكن أن تُكال لكاتبها خاصة إذا كان لصيقاً بصاحب السيرة وأفشى ما كان حريّاً به أن يكتمه من أسرار صاحبها بالنظر إلى الوجهة الأخلاقية الصرفة في التقييم؛ وهذا هو تحديداً ما وقع فيه/أبدعه أحمد محفوظ في "حياة شوقي".
الأسرار التي أذاعها محفوظ من حياة شوقي ليست مطويّة في غلاف جميل بل، على العكس، منزوعة الغلاف تماماً بحيث يُتاح للقارئ رؤية الحقيقة العارية بالفعل؛ وإنْ يكن الغلاف المفضوض وما وراءه من حقيقة يعتمدان على مصداقية الكاتب إلى حدّ كبير بطبيعة الحال.
الأدب لا يعنى بالصدق قدرَ ما يُعنَى بالكذب/الخيال، ولكن الصدق – إلى درجات رفيعة من جرأة الشفافية – هو عماد أدب السيرة (ذاتية وغيرية) إلى حد بعيد؛ وإن يكن جديراً بالانتباه أن تلفيقاً بارعاً لمجموعة من القصص والأحداث الجريئة يمكن أن يشكِّل منطلقاً لسِيَر ذاتية وغيرية بالغة التشويق والجاذبية ورفيعة القيمة من الوجهة الفنية البحتة، بحيث تبقى مسألة المصداقية تحدّياً أخلاقياً صرفاً بصورة مستقلة؛ فجرأة الصدق/الصراحة/الشفافية إذن ليست التحدّي الوحيد إزاء الكتابة في باب السيرة.
ردّ عزيز أباظة العُهدة على أحمد محفوظ فيما رآه وسمعه من شوقي، لكنه شهد في مقدمة الكتاب للمؤلف بأنه "رجل صادق، أخذ نفسه في هذا الموضوع الخطير الذي عالجه بالتثبت والحذر والدقة"؛ وتأمُّل ما يضمّه الكتاب على كل حال من التفاصيل المدهشة لطباع وحياة شوقي وطريقة عرضها يشي بأنها حقيقية وليست مفتراة؛ ولا أرى أصلاً – برغم الصدمة الكبيرة التي لا مفرّ منها أمام عشاق أمير الشعراء أثناء قراءة الكتاب – ما يدعو إلى تكلّف رفض تلك التفاصيل، فالمبدعون بشر من لحم ومشاعر، بل إن الغرابة في أطوارهم مشهورة عنهم بين الناس في مختلف البقاع والأزمنة، فلِمَ – والحال كتلك – نستنكر أن تكون تلك التفاصيل غير واردة عن الشاعر العظيم: التقصير الفاضح في الواجبات الاجتماعية بداعي الانشغال، الوسواس القهري من المرض والعدوى، التعلّق بالخمر إلى ما يقارب الإدمان، التزلّف إلى السلطة الحاكمة بغرض المال والشهرة، مجالسة العاطلين من أبناء الطبقة المخملية حينها ومداراتهم، المنافسة الشرسة مع الخصوم والأصدقاء من الأدباء، بل حتى النظر شزْراً إلى ضيف يمدّ يده مرّتين إلى طبق يحوي صنفاً من الطعام محبّباً بشدّة لدى الأمير؟
برغم قناعتي الراسخة بشأن الفصل بين البواعث الأخلاقية والتقييم الفني وما أزعمه من خبرة خاصة على هذا الصعيد، لم أستطع أن أمتنع كلّيّةً عن الاندهاش – وأحياناً التحفّظ العابر – وأنا أثِب بين كلمات وسطور وصفحات الكتاب الممتع، حتى إنني خشيت أن ينتابني شيء من البغض أو بعض الضيق تجاه الشاعر الذي أعدّه الأفضل في تاريخنا الشعري الغنائي على الإطلاق؛ غير أنني وأنا أختم السطور الأخيرة من "حياة شوقي" وجدتني أشدّ تعلّقاً بسيرته من الناحية الشخصية كونها جسّدت إنساناً شديد الصدق والتلقائية في انفعالاته كافة حتى تلك التي تغري عند تأمّل بواعثها برميه بالنفاق أو غرابة الأطوار؛ أمّا من الوجهة الفنية الصرفة فقد ظلّ الأمير لديّ كسابق عهدي به ورأيي في أدبه جديراً بذلك اللقب، بل هو بإبداعه الشعري منقطع المثال فوق الألقاب المعلّقة في الغالب بشروط اجتماعية/سياسية/إعلامية/مزاجية أكثر مما هي مبذولة لمن يستحقّها.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])